المستشار
23-05-2010, 04:59 PM
العِصْمَةُ
حَقيقَتُهَا ـ اَدِلَّتُهَا
الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله المعصومين.
أما بعد : فإنّ الاِمام : هو الاِنسان الذي له الرئاسة العامّة في أمور الدين والدنيا بالاصالة في دار التكليف (1) .
ويُقصد هنا بقيد «الاصالة» ، أي انّ الاِمامة من قبل الباري عزّ وجلّ ، لامن قبل أيّ أحدٍ سواه حتّى وإن كان نبيّاً أو مرسلاً ، إذ سلطنة الباري عزّ وجلّ على مخلوقاته تكونُ أولاً وبالذّات ، ثُمَّ تلك تترشح لمن يشاء كيف يشاء فتكون سلطنة أيّ شخصٍ آخرٍ حينئذٍ بالتّبع لا بالاصالة ، وهذا واضح.] ولعلّ هذا التعريف من أسدّ التعاريف للاِمام وأقومها طرداً وعكساً. وهو مختار بعض علمائنا.
وقد عُرّف الاِمام أيضاً بأنّه : هو الذي له الرياسة العامّة في أمور الدين
____________
(1) راجع كتاب الاَلفين|العلاّمة الحلي قدس سره : 12.
الدنيا خلافةً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) .
وبملاحظة التعريفين يظهر الفرق بينهم وعلى كلِّ حالٍ ، فإنّ الاِمامة ليست بيد الاُمّة ولا يكون تعيين الاِمام من قِبَلها أبداً ، وقد أثبت علماؤنا ذلك في كتبهم بما يغني الباحث عن الحقّ (2) .
ومن الشروط الاَساسية لهذا المنصب المهم : العصمة التي هي أمرٌ خفيٌ غير ظاهر لا يعلمه إلاّ الله سبحانه ، ولذلك فإنه هو الذي يشير إليها ، ويعيّن المتصف بها.
وقد وضعنا هذه الرسالة للبحث عنها وعن أدلّتها...
ومن الاَسئلة المهمّة التي يمكن لها أن تستقرَّ في الذهن :
هل بالعصمة نعلم الاِمام ؟ ! أم بالاِمام نعرف العصمة ؟ !
أي هل من ثبتت لهُ العصمة كان إماماً ؟ ! أم من ثبتت له الاِمامة كان معصوماً ؟ !
وبتعبير آخر : ـ أيُّهما المقدّم ؟ ! فبعضهم أحبَّ تقديم الاَول ، وآخرون أحبوا تقديم الثاني.
____________
(1) مقتبس من تعريف الاِمامة|القوشجي ـ تبعاً لصاحب المواقف.
(2) راجع الاِمامة والحكومة في الاِسلام : 26. وراجع أيضاً خلافة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بين الشورى والنصّ ، من اصدارات مركز الرسالة ـ قم.
إلاّ أننا نجد أنّ هناك فرقاً واضحاً بين المقامين.
فالاِمام الذي يكون نبيّاً يجب أن نثبت نبوّته أولاً ، ولا تثبت إلاّ بالمعجز وبادعائه معه النّبوة ، فحينئذٍ تبعاً لذاك نُثبتُ عصمته. هذه هي طريقة إثبات عصمة الاَنبياء والرسل.
ولو كان الاِمام مختفياً بحيث انقطع أثره وخبره وذكرهُ من الناس فنسوه كليّاً ، فحينئذٍ عندما يدّعي الاِمامة ، عليه أن يُظهر المُعجِزَ إلى جانب الدعوى ، فتثبت له الاِمامة وبها نُثبت عصمته.
وأمّا في حال معرفة الاِمام ، فإنّ تعيينه من قبل المُرسَل يكشف عن كونه معصوماً.
لاَنَّ العصمة أمرٌ خفيٌ لا يستطيع الوصول إليه الناس ، فالرسول هو الذي يشير إليه.
كما أنَّهُ باختلاف الناس في التعيين وعدمه ، أو في قولهم بالتعيين مع اختلافهم في التشخيص لابدّ من إثبات العصمة حتّى يتعيّن ذلك الشخص.
وبما أنَّهُ أمرٌ خفي فلابدّ أن تثبت العصمة عن طريق النص ، والنص منحصرٌ كما هو معلوم بكتاب الله وبسُنّة من ثبتت عصمته ، كأن يكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو معصوماً آخر قد ثبتت عصمته بالدليل ـ بكتاب الله وسُنّة نبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم ـ.
فالذي أراد إثبات عصمة الاَنبياء والرسل والاَئمة بالطريق الاَول عليه
أن يُثبت ذاك عن طريق العقل وحده أولاً ، ثُمَّ بعد ذاك يستأنس ويعمّق استدلاله بالدليل النقلي كما هو مطلوب.
وأمّا الذي يريد أن يثبتَ العصمة عن الطريق الثاني المنحصر باثبات العصمة بالاِمام فلابدّ أن يتلمّس الدليل عن طريق النص ، ويستأنس بالدليل العقلي ليؤكد مطلبه ويعززه.
والذي سنعتمده في كتابنا هذا هو تقديم الطريق الاَول ؛ لاَنَّ أُسَّ الافتراق كان فيه. إذ إنّ الذين آمنوا بالرسل والاَنبياء قد وقع الاختلاف بينهم في ثبوت العصمة وحدودها وسعتها ، كما سنرى ، لذا علينا تقديم الدليل العقلي ، ثم الكتاب ، ثم السُنّة بسعتها ومدى دلالتها على ذلك ، ومدى مطابقة العقل للشرع في هذا المورد بالذات.
محاولين أن نمزج بين الدليلين في مواضع مهمّة اخرى لكي يكون الدليل أقوى وأوضح ، عندما نجد أن النقل جاء على طبق العقل ، فنتشرّف بذكر كلام المقدَّمين في شرع الله تعالى ونجعله مدخلاً لحديثنا.
وسيكون بحثنا في اربعة فصول :
ادالاَول : في تعريف العصمة ، والثاني : في دراسة ومناقشة الاَقوال المختلفة في العصمة ، والثالث : في الاَدلة العقلية على العصمة ، والرابع : في إثبات العصمة عن طريق الكتاب والسُنّة ، ثم ألحقنا ذلك بتتمة في إثبات عصمة الزهراء عليها السلام.
وبه تعالى نستعين ، وهو الهادي إلى سواء السبيل
لنا عودة
المستشار
حَقيقَتُهَا ـ اَدِلَّتُهَا
الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله المعصومين.
أما بعد : فإنّ الاِمام : هو الاِنسان الذي له الرئاسة العامّة في أمور الدين والدنيا بالاصالة في دار التكليف (1) .
ويُقصد هنا بقيد «الاصالة» ، أي انّ الاِمامة من قبل الباري عزّ وجلّ ، لامن قبل أيّ أحدٍ سواه حتّى وإن كان نبيّاً أو مرسلاً ، إذ سلطنة الباري عزّ وجلّ على مخلوقاته تكونُ أولاً وبالذّات ، ثُمَّ تلك تترشح لمن يشاء كيف يشاء فتكون سلطنة أيّ شخصٍ آخرٍ حينئذٍ بالتّبع لا بالاصالة ، وهذا واضح.] ولعلّ هذا التعريف من أسدّ التعاريف للاِمام وأقومها طرداً وعكساً. وهو مختار بعض علمائنا.
وقد عُرّف الاِمام أيضاً بأنّه : هو الذي له الرياسة العامّة في أمور الدين
____________
(1) راجع كتاب الاَلفين|العلاّمة الحلي قدس سره : 12.
الدنيا خلافةً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) .
وبملاحظة التعريفين يظهر الفرق بينهم وعلى كلِّ حالٍ ، فإنّ الاِمامة ليست بيد الاُمّة ولا يكون تعيين الاِمام من قِبَلها أبداً ، وقد أثبت علماؤنا ذلك في كتبهم بما يغني الباحث عن الحقّ (2) .
ومن الشروط الاَساسية لهذا المنصب المهم : العصمة التي هي أمرٌ خفيٌ غير ظاهر لا يعلمه إلاّ الله سبحانه ، ولذلك فإنه هو الذي يشير إليها ، ويعيّن المتصف بها.
وقد وضعنا هذه الرسالة للبحث عنها وعن أدلّتها...
ومن الاَسئلة المهمّة التي يمكن لها أن تستقرَّ في الذهن :
هل بالعصمة نعلم الاِمام ؟ ! أم بالاِمام نعرف العصمة ؟ !
أي هل من ثبتت لهُ العصمة كان إماماً ؟ ! أم من ثبتت له الاِمامة كان معصوماً ؟ !
وبتعبير آخر : ـ أيُّهما المقدّم ؟ ! فبعضهم أحبَّ تقديم الاَول ، وآخرون أحبوا تقديم الثاني.
____________
(1) مقتبس من تعريف الاِمامة|القوشجي ـ تبعاً لصاحب المواقف.
(2) راجع الاِمامة والحكومة في الاِسلام : 26. وراجع أيضاً خلافة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بين الشورى والنصّ ، من اصدارات مركز الرسالة ـ قم.
إلاّ أننا نجد أنّ هناك فرقاً واضحاً بين المقامين.
فالاِمام الذي يكون نبيّاً يجب أن نثبت نبوّته أولاً ، ولا تثبت إلاّ بالمعجز وبادعائه معه النّبوة ، فحينئذٍ تبعاً لذاك نُثبتُ عصمته. هذه هي طريقة إثبات عصمة الاَنبياء والرسل.
ولو كان الاِمام مختفياً بحيث انقطع أثره وخبره وذكرهُ من الناس فنسوه كليّاً ، فحينئذٍ عندما يدّعي الاِمامة ، عليه أن يُظهر المُعجِزَ إلى جانب الدعوى ، فتثبت له الاِمامة وبها نُثبت عصمته.
وأمّا في حال معرفة الاِمام ، فإنّ تعيينه من قبل المُرسَل يكشف عن كونه معصوماً.
لاَنَّ العصمة أمرٌ خفيٌ لا يستطيع الوصول إليه الناس ، فالرسول هو الذي يشير إليه.
كما أنَّهُ باختلاف الناس في التعيين وعدمه ، أو في قولهم بالتعيين مع اختلافهم في التشخيص لابدّ من إثبات العصمة حتّى يتعيّن ذلك الشخص.
وبما أنَّهُ أمرٌ خفي فلابدّ أن تثبت العصمة عن طريق النص ، والنص منحصرٌ كما هو معلوم بكتاب الله وبسُنّة من ثبتت عصمته ، كأن يكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو معصوماً آخر قد ثبتت عصمته بالدليل ـ بكتاب الله وسُنّة نبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم ـ.
فالذي أراد إثبات عصمة الاَنبياء والرسل والاَئمة بالطريق الاَول عليه
أن يُثبت ذاك عن طريق العقل وحده أولاً ، ثُمَّ بعد ذاك يستأنس ويعمّق استدلاله بالدليل النقلي كما هو مطلوب.
وأمّا الذي يريد أن يثبتَ العصمة عن الطريق الثاني المنحصر باثبات العصمة بالاِمام فلابدّ أن يتلمّس الدليل عن طريق النص ، ويستأنس بالدليل العقلي ليؤكد مطلبه ويعززه.
والذي سنعتمده في كتابنا هذا هو تقديم الطريق الاَول ؛ لاَنَّ أُسَّ الافتراق كان فيه. إذ إنّ الذين آمنوا بالرسل والاَنبياء قد وقع الاختلاف بينهم في ثبوت العصمة وحدودها وسعتها ، كما سنرى ، لذا علينا تقديم الدليل العقلي ، ثم الكتاب ، ثم السُنّة بسعتها ومدى دلالتها على ذلك ، ومدى مطابقة العقل للشرع في هذا المورد بالذات.
محاولين أن نمزج بين الدليلين في مواضع مهمّة اخرى لكي يكون الدليل أقوى وأوضح ، عندما نجد أن النقل جاء على طبق العقل ، فنتشرّف بذكر كلام المقدَّمين في شرع الله تعالى ونجعله مدخلاً لحديثنا.
وسيكون بحثنا في اربعة فصول :
ادالاَول : في تعريف العصمة ، والثاني : في دراسة ومناقشة الاَقوال المختلفة في العصمة ، والثالث : في الاَدلة العقلية على العصمة ، والرابع : في إثبات العصمة عن طريق الكتاب والسُنّة ، ثم ألحقنا ذلك بتتمة في إثبات عصمة الزهراء عليها السلام.
وبه تعالى نستعين ، وهو الهادي إلى سواء السبيل
لنا عودة
المستشار