مشاهدة النسخة كاملة : بذكر الله تحيي القلوب


زهرة الامل
22-01-2006, 02:35 AM
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين

(.. بسم الله.. كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين * فكان عاقبتهمآ أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاؤا الظالمين * يآ أيها الذين ءامنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون * ولا تكونوا كالذين نسوا الله فانساهم أنفسهم اولئك هم الفاسقون( (الحشر/16-19)
من المشاكل الكبرى في حياة الإنسان أنه قد يخطأ في تحديد مشكلته، وبالذات في تحديد سبب الفلاح والسعادة في نفسه. ومثل الإنسان في ذلك مثل رجل أرهقه النعاس فظن أنه عطشان، ولكنه كلما يشرب لا يجد الراحة التي كان يبتغيها.
إن هذه المشكلة تعد مشكلة حادة للغاية في حياة الإنسان، ومن أبرز مصاديق هذه المشكلة أنه لا يعرف لماذا خلق، وماهي حقيقة سعادته، وكيف ينسجم مع نفسه؟
فالإنسان يزعم بأن الوسائل التي هيئت له هي أهداف حياته، فتراه يدعي أن الطعام والشراب والمنام والسكن والملبس وما أشبه هي سعادته، في حين أنه يغفل عن أن هذه مجرد وسائل، ولعل أغلب الناس ينشغلون أو يبذلون معظم حياتهم في توفير وسائل الراحة لأنفسهم، ولكنهم لا يجدون تلك السعادة ولا تلك اللذة ولا ذلك الانسجام الذي يبحثون عنه. فهم -في واقع الأمر - كمن يجري وراء ظله؛ كلما سارع في جريه كلما تباعد عنه الظل أكثر.
ثم من أنت أيها الإنسان؟! هل أنت مجرد لحم ودم وعظم وعصب؟ هل هذه هي حقيقة وجودك، حتى إذا حصلت زيادة في اللحم والدم تحققت لك الراحة واللذة؟ فإذا كان كذلك فإن أسعد الناس هم ضخام الجثة ومن يأكل كثيرا، أو لنقل إن الحيوانات الضخمة تعيش بسعادة دائمة، لأنها ضخمة دائما!!
لكي يصل الإنسان الى حقيقة السعادة يلزمه أن يختبر نفسه فيتأكد أن لحظة الطعام والشراب والمنام وممارسة القوة ليست هي السعادة، بل إن اللحظة الحقيقية للسعادة هي لحظة اتصال القلب بنور الرب سبحانه وتعالى. بمعنى أنك حينما تقرأ دعاء كميل في ليلة الجمعة وتنسجم مع فقرات هذا الدعاء الجليل وتجد فيها الخضوع والخشوع والقنوت وتغيرا إيجابيا في نفسك، فعليك أن تتأكد بأن هذه هي اللحظة الحقيقية للسعادة، وأنها هي المبتغى والمنى والهدف. أو أن تقضى وقتا ما طائفا حول الكعبة المشرفة، وأنت بين الركن والمقام مناديا: "يا رب! أنا المذنب، أنا المخطيء، أنا الذي أحاطت به خطيئته.. وأنت العزيز الجبار المتكبر الغفور الودود الرحمن الرحيم" في تلك اللحظة؛ اللحظة التي تجمع الخوف والرجاء تحس بأن لطف الله ورضوانه هما سفينتك الضائعة التي ينبغي الإبحار بها والهروب من الأهواء وأدران الدنيا حتى تصل شاطيء الأمان، وهذه هي مصداقية نص الدعاء القائل: "إلهي أذقني برد عفوك وحلاوة غفرك، يا رب أذقني حلاوة مناجاتك".
إن الذي يدفع عباد الله الصالحين إلى القفز من مضاجعهم في منتصف الليل ليتوجهوا إلى الله تبارك وتعالى متبتلين بين ركوع وسجود، يراوحون بين جباههم وجنباتهم يذكرون الله قياما وقعودا (ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار( (آل عمران/191) لم يدفعهم إلى تحمل هذا العناء إلا تلك الحلاوة التي أذاقهم الله منها شيئا وادخر لهم منها المزيد، ولذلك فإن الذين يحصلون على الجنة ونعيمها الذي لا يوصف لا يكتفون بهذا، فتراهم يتطلعون الى شيء أكبر، وهو رضوان الله.
ونحن إذ نعيش الأيام الأخيرة من شهر شعبان، ونتهيء لاستقبال شهر رمضان المبارك، علينا أن نعرف أن هذه الأيام والليالي هي بالذات ما يمكن أن يحس فيها الإنسان باللذات الحقيقية ويحقق المنى، إذ يتأكد للإنسان المؤمن أن الله أهل للعبادة فيعبده ويتقرب إليه، فضلا عن الخوف من ناره والطمع في جنته، وهذا كان واقع سيرة أهل البيت عليهم السلام العبادية.
إن الله سبحانه وتعالى قد جعلك -أيها الإنسان- في هذه الدنيا تعاني المشاكل، رغم أنه لا يريد لك أن تتعذب، وهو الذي لو شاء لأخذ أهل الأرض بألوان العذاب، وهو الذي لا يعتدي على أهل مملكته، وهو الذي ليس بظلام للعبيد، ولكنه أراد لك أن تعود إليه لدى كل مشكلة تمر بك، وتطلب ما لديه لدى كل عوز تحس به، وحينما تعود إليه وتطلب ما لديه تتولد في داخلك لذة المناجاة، وتلك اللذة أهم من الطعام والشراب وما أشبه. إنها اللذة التي تشعر بها وأنت جائع في شهر رمضان، وتحس بها وأنت تقاوم النعاس والرغبة الى النوم في وقت السحر، وتحس بها أيضا وانت تعب أيام الحج وسط الضجيج في تلك الأرض القاحلة.
ربنا تبارك وتعالى في نهايات سورة الحشر الكريمة يخاطب عباده المؤمنين قائلا: ( يآ أيها الذين ءامنوا اتقوا الله( أي ينبغي أن تكون التقـوى شعار المؤمن وحقيقته ، كما ينبغي أن يكـون مصداق تقواه قوله تـعالى: (ولتنظر نفس ما قدمت لغد( بمعنى ضرورة محاسبة النفس والتطلع الى الآخرة من منطلق التقوى، وقد جاء في المأثور عن أئمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا".
إن المرء حينما يتجرد من الماديات تجردا عقلائيا سيكون أكبر منها دون شك، فلا ينخدع بها أو يكون لها مطيعا، بل سينظر إليها على حقيقتها ودورها بالنسبة إليه ككائن مكرم أفضل التكريم من قبل الله سبحانه وتعالى. وهذه الحالة بالذات هي التي تحمل المؤمنين الواعين على عدم الاغترار بالدنيا أو الخوف من عواقبها.
ولعل المثال الأبرز لذلك هو سيرة سيدتنا ومولاتنا زينب بنت علي بن أبي طالب عليهما السلام، هذه المرأة الجليلة التي حملت رسالة كربلاء على عاتقها، حتى لم يعد أي احتمال للفصل ممكنا بينهما، فما أن تصل كلمة كربلاء وواقعة الطف ومظلومية سيد الشهداء وأصحابه عليهم السلام حتى يقفز اسم زينب ومواقفها البطولية الى الاذهان، ومن جملة ذلك مقاومتها ليزيد هذا الطاغية المتكبر، ولكن زينب عليها السلام، ومن فرط معرفتها بالله وشدة ارتباطها به، ما كانت لتنظر إليه على أنه ذو هيبة وسطوة، بل كانت تراه على حقيقته الحقيرة الوضيعة. فكانت تكيل إليه ألوان التقريع وتقاومه ما أوتيت من إيمان وبصيرة ونفاذ رؤية. فهي لم تكن من قبل تنظر إلى ما حل بها من مصائب على أنها نهاية الحياة أو تبخر السعادة، بل كانت سلام الله عليها تراها أمورا غير أساسية، وأن الأمر الأساس في حياتها هو البحث عن السعادة الحقيقية والتواصل مع الله سبحانه، ولذلك أصبحت تلك المرأة البطلة الشجاعة التي يضرب بها المثل..
وهكذا كان الأمر بالنسبة لمولانا وإمامنا موسى الكاظم عليه السلام الذي قضى نحبه في سجنه الذي هو عبارة عن طامورة لا يمكن التمييز فيها بين الليل والنهار، ولكن الحقيقة هي أن هذا الإمام الذي قاوم أعتى الطغاة وهو هارون العباسي لم يكن في الطامورة، بل كان عند الله سبحانه وتعالى، وكان معه، يشكره على أن وفر له مكانا يتفرغ فيه لعبادته ومناجاته.
إن أزمة أولاد آدم أنهم يضيعون أثمن ما لديهم وهو عمرهم في خدمة البطن والملبس والمظهر والبيت وبقية وسائل العيش غير الباقية لهم، ويغفلون عن إسداء الخدمة الحقيقية لأنفسهم، ونحن إذا زرنا القبور وسألنا عن أسباب الموت التي نالت أولئك الراقدين -ولا سيما في زمننا هذا- لعرفنا أن أكثرها يرجع الى السكتة القلبية، والسكتة هذه لا تكون إلا بداعي التوتر والقلق والاضطراب في معظم الأحيان.. ولا يظهر القلق والاضطراب إلا عند تبخر القناعة والبحث عن المزيد، فتراهم كمن يركض وراء ظله، حتى يتعب فيقع فيخسر.. وذلك بعد أن نسي الله فأنساه الله نفسه ومطالبها الحقيقية فصار فاسقا؛ أي منحرفا عن الإطار الصحيح إلى الإطار الخطأ، وقد قال تعالى في هذا المضمار: (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فانساهم أنفسهم اولئك هم الفاسقون(.
ولعل من فظيع ما أرى في هذه الأيام انشغال شبابنا المستميت في متابعة مباريات كرة القدم واهتمامهم بمن سيصل الى النهائيات أو يفوز بالكأس... غافلين عن أنهم لا شأن لهم بكل ذلك، وأن فرصة العمر الثمينة تكاد تفلت من بين أيديهم، وأن هذه الأشهر المباركة التي يلزمهم أن يغتنموها في العبادة والرياضات الروحية لتكون لهم بمثابة الوقود والزاد في مسيرة الكدح الى الله سبحانه وتعالى، تكاد تشرف على الانتهاء. وفي ظل إنشغال الفرد بتشجيع هذا الفريق الرياضي أو ذاك ترى أنه قد نسي عبادته ووظيفته الحقيقية في الحياة؛ الوظيفة التي ما إن أداها دخل الجنة بدون أدنى شك، وهي تتلخص في ضرورة حفظ التوازن النفسي والداخلي وعدم الانسياق وراء التهريجات الشيطانية بكافة صورها، وعدم نسيان الله الذي وعدنا السعادة الأبدية حيث جنان الخلد ورضوانه الأكبر.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
نسألكم الدعاء
زهرة الامل

خادم العترة
24-01-2006, 09:56 PM
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
أحسنتم أختي الكريمـة ( زهرة الامل ) لهذا الطرح النوراني
لاحرمنا هذا التواجد النير , وهذه الاطلالة المميزة , وهذا القلم الولائي
حشرنا الله في زمرة الاطهار , وسلام على ال ياسين

نجف
26-01-2006, 05:38 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وآلِ محمد وعجل فرجهم وآهلك اعدائهم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتُه
اللهم نور قلبي بنور الإيمان وثبتني على النهج الصحيح ..
أحسنتِ أختي الكريمة زهرة الأمل على هذا النقل المميز , والذي يجعلنا نفكر أكثر بإعمالنا وحثنا على التمسك بالله سبحانه وتعالى ومن ثم رسوله وأهل بيته عليهم أفضل الصلاة والسلام للفوز بالدنيا والأخرة ,,, (( كن مع الله يكن الله معك ))
ننتظر جديدكم إن شاء الله تعالى

زهرة الامل
27-01-2006, 10:45 PM
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
مشكورين جزأكم الله خير .
موفقين إنشاء الله
أختكم
زهرة الامل