مشاهدة النسخة كاملة : يوم من حياتي


أبوجهاد
29-01-2006, 08:30 PM
أسندت رأسه إلى ذراعي ونام ، وجلست أمسح بيدي على شعره الأشقر الناعم الطويل ، وقد تنهد تنهيدة عميقة ،ذات شهيق وزفير ، تذكرت من خلالها التعب الشديد الذي أصابه خلال هذا اليوم المملوء بالمرح، وقمت أمسد رجليه ، بعد أن وضعت رأسه على المخدة .

نعم .. تذكرت كم كان يوما جميلا ومتعبا في نفس الوقت !
أول ما جلس من النوم ، كنت في المطبخ أعمل ما يمكنني عمله، برغم أميتي الشديدة في شؤون المطبخ ، فلست بالذي يجيد عمل أي شيء ، فهي المرة الأولى التي أتعرض فيها لموقف كهذا ، ولأول مرة تذهب أمه في سفر قصير من دون أن أكون معها ، أو هو يكون معها .
جلس من النوم يناديني كالعادة :
- بابا .. أين أنت ؟
فأجبته وكأني متمرس في عمل الإفطار بحماس شديد :
- هنا يا حبيبي ، أعمل لك الإفطار ، لأن (الماما) ليست موجودة فهي مشغولة .

أخذت إياد الدهشة قبل الفضول ، توقعت أني سأجد تحقيقا مطولا منه ، من قبيل : أين أمي ؟ ولماذا ذهبت؟
ولكنه – بعد أن فرك عينيه بيديه- سألني :
- وماذا سنأكل يا أبتي ؟

حينها انتشيت فرحا ، وكأني حضرت الإجابة مسبقا :
- سنأكل بيضا مسلوقا ،و قطعا من شرائح الجبن ، ممزوجة بالمربى مطوقة بالخبز ، ونشرب حليبا .

فهتف بفرحة شديدة- وهو يكاد يطير من الفرحة - ورغم أني أعرف انه لن يصل إلى السقف من قفزته وابتهاجه ، إلا أني خفت عليه فعلا :
هي .. مرحى ! سوف يقوم بابا بعمل الإفطار لي.

قلت في نفسي : أين أنت يا أم إياد ، حتى تنظرين سعادة ابنك بتكليفي بأعباء لا أعرفها ، غير أني وجدت الأمر مشوقا فعلا ، برغم عدم ثقتي في النجاح في كل موقف سيحصل فيما بعد .

وبعد جهد جهيد ، وعناء وتعب على أن لا يصيب ملابسه شيء من الطعام ، إلا أن محاولتي فشلت ، وقمت أحاول إخفاء خيبة أملي من ذلك خلف أستار البسمات التي لربما لا تشعره بخيبتي .

أدخلته للحمام ، وأنا أحفظ ملامحه الجميلة التي تشرق حينما يكون على موعد مع الماء ، وكنت أخشى أن يتوقف الماء وينفد من كثرة إسرافه ، وبعد عناء شديد ، أخرجته ، ولم أستطع ذلك إلا بوعده بأن أأخذه معي إلى مزرعة جده .

أخذته معي إلى مزرعة أبي ، وبعد أن قبلت رأس أبي ، وقد قبل يد جده وهو يقول له :
- ( جدو ) ( جدو ) لقد جئت ، وقد عمل لي ( البابا ) فطورا شهيا ، وأكلت كذا وكذا ... وأخذ يعدد لأبي كل ما أكل .
فأجابه أبي ، وهو يعلم أني لست بالطاهي أو الطباخ الماهر ، لأن جميع ما ذكر له ابني إياد لا يعدو عن كونه سهل التحضير ، ولا يحتاج لفن وتمرس :
- ما شاء الله .. كل هذا أكلته يا ابني ، إذن والدك طباخ ماهر !
- نعم .. نعم .. وهي يناظرني بزهو وفخر ..
فقلت لإياد حينها :
- ألا تحب أن تذهب حظيرة الأرانب !
فأجابني وقد أمسكت جسمه حتى لا يطير مني :
نعم .. نعم أبي .. ولم ينتظرني حتى أأتي بمفتاحها ، بل سبقني إلى بابها ، ففتحت الباب ، وقد كان من عادتي ألا أدخل معه الحظيرة ، بل أكلف أحد إخوتي بالدخول معه إن لم يدخل معه أبي ، ولكن هذه المرة دخلت ، وتفاجأت بما يعمل مع الأرانب ، من كر وفر حتى يظفر بأضعف الأرانب .
وبعد ذلك ، تمكن من صيد أحدها ، وقال لي :
- أبي .. انظر إلى هذا الأرنب .
فنظرت إليه ، وقد سرت قشعريرة في بدني من رؤية الوبر على الأرنب ، وكأني لا أعرف هذا من قبل ، فقلت له معترضا :
- أبعد هذا الأرنب عني ، فجسمي لا يحتمل ، وحساسية جلدي لا تسمح لي بملامسته .
غير انه لم يعبأ بكلامي ، ورمى الأرنب ليمسك بآخر ويقول لي :
- هذا أجمل ..
حينها غضبت منه ، وقلت له هيا نخرج من الحظيرة ، غير انه رفض ذلك ..
وفي هذه الأثناء ، جاء عمه محمد ، فاستبشرت خيرا ، لعله يسيطر على اندفاع ابن أخيه ، وكما كنت أعتقد ، أخذه إلى بركة صغيرة فيها مجموعة من البط ، حينها أعجبني وأعجب إياد أيضا المنظر الجميل للبط ، وقد تأملنا في إحداهن وهي ترمي بنصفها السفلي للبركة ، فتارة تقوم بغمس رأسها ومنقارها في البركة ، وأخرى تدفع بأغلب جسمها فيه ، وتارة تنفض جسمها المبتل ، بعد خروجها وهكذا بقية البط ، غير أن إياد أراد نزع ملابسه حتى يشاركهم هذه المغامرة ، الأمر الذي أغضبني كثيرا ، فقال لي عمه محمد :
- حسنا .. اذهب وأنا أتصرف معه ، وسأرجعه لبيتك ، نهاية هذا اليوم ، فأنت لا تأتي به هنا إلا نادرا ، دعه يلعب معي ، ويمرح ..
حينها تنهدت تنهيدة عميقة ، كناية عن الراحة التي سأنعم بها نسبيا بعد أن تكفل به عمه الحكيم ، والذي يروض عناد ابني بطرق أذهل منها ، ولا أعرف عملها مع ابني لأني لا أتحمل عناد ودلال ابني، مع أني من قام بتدليله من البداية. .
وما هي إلا سويعات سريعة مرت على إياد مع عمه ، وأنا أترقب في أي لحظة أن يعود إياد بعد أن يضيق عمه به ، غير أن عمه لم يرجع به إلا عند الساعة الحادية عشرة ليلا .

أخذته من عمه وهو بين النائم والمتيقظ من التعب ، وأسندته على ذراعي ونام من عناء هذا اليوم
على الكنبة التي كنت جالسا عليها ، وبعد ذلك قمت بتفريغ سريره من الألعاب ، ووضعت إياد عليه بعد أن طبعت قبلة على رأسه ، وتغطية جسمه الصغير، حينها تنهدت تماما مثله ، غير أني تذكرت أمه الغائبة في يوم من أيام حياتي ......

أبو جهاد / 2003/م

زهرة الامل
29-01-2006, 08:55 PM
قصة جميلة و معبرة عن صدر حنون والإحساس الصادق وفيها الفراق .
جزأكم الله خير موفقين إنشاء الله .
أختكم زهرة الامل

أبوجهاد
31-01-2006, 09:48 PM
أختي زهرة الأمل شكرا لك .

نجف
31-01-2006, 10:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وآلِ محمد وعجل فرجهم وآهلك اعدائهم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتُه
ماشاء الله عليك أخي الفاضل أبو جهاد مبدع في كتابة القصص كما إنت مبدع في كتابة الأشعار ,, سلمت يمناك .. وننتظر جديدك دائماً
نسألكم الدعاء

روابي المنورة
02-02-2006, 02:49 PM
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات] f

اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم

قصة في قمة الروعة
وياليت جميع الأباء يتذكرون كيف أن عمل الأمل متعب وبحاجة الى مشقة
ورغم كل هذا فهي لاتحتاج سواء الى كلمة حب تجعلها تجدد نشاطها كل يوم
فلاتحرمها أيها الزوج الموقر ذلك
بوركت أناملك أخي العزيز ابوجهاد
ولاحرمنا الله إبداعاتك
في إنتظار جديد دائماً


أختك وخادمتكم
روابي المنورة:004(2):

أبوجهاد
26-02-2006, 04:37 PM
نجف شكرا لكم ونتمنى التوفيق لنا ولكم.

أبوجهاد
01-03-2006, 09:38 PM
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات] f

اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم

قصة في قمة الروعة
وياليت جميع الأباء يتذكرون كيف أن عمل الأمل متعب وبحاجة الى مشقة
ورغم كل هذا فهي لاتحتاج سواء الى كلمة حب تجعلها تجدد نشاطها كل يوم
فلاتحرمها أيها الزوج الموقر ذلك
بوركت أناملك أخي العزيز ابوجهاد
ولاحرمنا الله إبداعاتك
في إنتظار جديد دائماً


أختك وخادمتكم
روابي المنورة:004(2):

أختي روابي المدينة صحيح ما ذكرت ، شكرا لكم .