ابن المدينة
15-04-2005, 03:38 AM
في هذه المحاضرة تحدث بإذن الله تعالى عن خاتم الأوصياء المهديّ المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بصفته إمام الرحمة، وتناول البحث في فصلين:
الفصل الأول: الإمام المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية، ونعرض هذا الفصل في مقامين:
المقام الأول: الإمام المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية العامّة.
المقام الثاني: الإمام المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية الخاصّة
الفصل الثاني: بعض مظاهر الرحمة الإلهية الخاصة التي تجري على يد الإمام المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
الفصل الأول
الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)
مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية
المقام الأوّل: الإمام المهدي عجّل الله فرجه مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية العامة
وهذا ما سنوضحه من خلال النقاط التالية:
· النقطة الأولى: إن لله سبحانه وتعالى رحمة عامّة تسع جميع الموجودات بلا استثناء، وهي الرحمة التي أشار إليها القرآن الكريم بقوله: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء)[1]، والشيئية تساوق الوجود - كما يقول العلماء - ويتفرّع على هذه المساوقة أربع قواعد كالتالي:
- القاعدة الأولى: كلّ موجود فهو شيء.
- القاعدة الثانية: كلّ شيء فهو موجود.
- القاعدة الثالثة: كلّ ما ليس بموجود فليس بشيء.
- القاعدة الرابعة: كلّ ما ليس بشيء فليس بموجود.
فلو وضعت إصبعك على أيّ موجود من موجودات عالم الإمكان سواء كان هذا الموجود ذهنياً أو خارجياً وسواء كان جوهراً أم عرضاً، وسواء كان موجوداً حقيقياً أم موجوداً انتزاعياً، وفي أية نشأة من نشآته كان، فهو شيء، ومن ثم لا يوجد عندنا مفهوم في العالم أوسع من مفهوم الشيء، فعندما يقول الله تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء) فهذا يعني أنه لا يشذّ عن هذه الرحمة أيّ موجود من الموجودات، فما من موجود إلا وهو مشمول للرحمة الإلهية العامة.
· النقطة الثانية: لقد جرت عادة الله على أن تجري الأشياء بأسبابها، فهذه الرحمة الإلهية العامة لا تجري - عادة - إلا عبر أسباب، فلو أردت الدفء مثلاً فإن الله لا يمنحك الدفء - عادة - مباشرة بل انه تعالى جعل منابع للدفء في هذا العالم كالشمس، فيجب عليك أن تأخذه منها، وهكذا لو أردت الارتواء من العطش فإن الله لم تجر عادته على إرواء الإنسان مباشرة، بل يجب عليك اللجوء إلى الماء فهو الذي يزيل العطش بإذن الله ومشيّته.
· النقطة الثالثة: إن جميع روافد الرحمة الإلهية العامة تنتهي إلى منبع واحد هو وجود خاتم الأوصياء الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وكلّ رافد يمثّل جانباً من جوانب الرحمة الإلهية العامة، فالشمس تمثّل جانباً والماء جانباً والهواء الذي نستنشقه يمثّل جانباً من جوانب الرحمة الإلهية العامة، ولكن هناك منبع واحد يمثّل الرحمة الإلهية العامّة الشاملة بتمام أبعادها ومظاهرها، ذلكم هو الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وقد روي أنه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) قال عن نفسه: «إن رحمة ربكم وسعت كل شيء وأنا تلك الرحمة».[2]
وفي زيارة آل ياسين نخاطب الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف): السلام عليك أيها الرحمة الواسعة.[3] وفي الدعاء: «وأكمِل ذلك بابنه القائم رحمة للعالمين»[4].
وكلمة "العالمين": جمع "عالم" فهي تشمل عالم الإنس، والجن، والملائكة، وعالم الأجنة والنبات والحيوان...، لأن كلّ مجال يضمّ صنفاً من المخلوقات فهو عالَم.
استناداً إلى ما تقدم وإلى بعض الروايات المعتبرة الأخرى، يمثّل الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) الرحمة التي تشمل كلّ العوالم، فما من شيء إلا وهو مشمول بها، وهو (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) يمثّل المنبع الذي يمدّ جميع الروافد الخاصّة للرحمة الإلهية،[5] ولذلك لا تجد موجوداً في هذا العالم - إنساناً كان أم نباتاً أم جماداً أو ملكاً - إلا وهو مشمول لهذه الرحمة التي تسع المؤمن والكافر والمنافق وجميع الكائنات، فكلّ الكائنات إنما يجلسون على مائدة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ويكتسبون الفيض منه - بإذن الله تعالى ومشيئته.
المقام الثاني: الإمام المهدي عجّل الله فرجه مظهر الرحمة الإلهية الخاصة
وهذا البحث نعرض له أيضاً ضمن نقاط هي:
· النقطة الأولى: إن القرآن الكريم يثبت أن وراء الرحمة الإلهية العامّة رحمة إلهية خاصّة، والرحمة الإلهية العامّة غير مقيّدة بشرط، أما الرحمة الإلهية الخاصّة فهي مقيدة ومشروطة، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (فسأكتبها للذين يتقون)[6] ولاشك أن هذا نمط آخر من الرحمة لأن الله تعالى كتبها لطائفة خاصة، خلافاً للرحمة الإلهية العامّة التي ليست مقيّدة بشيء فشملت كلّ شيء. ويقول سبحانه: (والذين اهتدوا زادهم هدى)[7] فهذه الزيادة مشروطة، وهي هداية خاصة، تختلف عن الهداية العامة التي يقول الله تعالى عنها: (ربّنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى)[8].
· النقطة الثانية: كما أن للرحمة الإلهية العامة روافد، فكذلك الرحمة الإلهية الخاصة لها روافد، تبعاً للقانون الإلهي العام «إن الله تعالى أجرى عادته بأن يخلق الأشياء بأسبابها»[9].
ومن روافد الرحمة الإلهية الخاصّة المتّقون الأخيار، ومن روافدها العلماء الأبرار، ومن روافدها الملائكة المقرّبون.
( من المعضلات الفكرية التي كانت تواجه العلماء هو من أين تأتي للإنسان التصورات التي كان يفقدها مع أن «فاقد الشيء لا يعطيه»؟ وقد تكفّلت الأحاديث الشريفة المرويّة عن المعصومين (عليهم السلام) حلّ هذه المعضلة إذ قالت: إن الملائكة هي التي تقوم بهذا الدور حيث تلقي الأفكار والتصورات الطيبة في روع الإنسان، وكثيراً ما يتّفق أن يكون الشخص جالساً خالي البال وإذا به يلقى في روعه أن يقوم بعبادة ما أو عمل صالح لم يكن قد نبّهه إليه أحد).
· النقطة الثالثة: إن المنبع الذي تنتهي إليه وتستمد منه جميع الروافد هو الوجود المبارك للإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).[10]
وهكذا يكون الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) هو المنبع الذي تنتهي إليه روافد الرحمة الإلهية العامة والخاصة، فكل ما عندنا من رحمة خاصة وعامة فإنما هو ببركة وجوده الشريف.
الفصل الثاني
بعض مظاهر الرحمة الإلهية الخاصة الجارية
على يد الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)
ويتجلّى ذلك في مظاهر، منها:
المظهر الأول: حلّ المعضلات العلمية
لقد كان العلماء في عصر الأئمة (عليهم السلام) إذا واجهتهم معضلة علمية أو فكرية يلجأون إلى الأئمة (عليهم السلام) لحل تلك المعضلة، أما نحن الذين نعيش في عصر الغيبة فينبغي أن نوثّق علاقتنا بالإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ليعيننا في حلّ ما يواجهنا من معضلات، ولا فرق من هذه الجهة بين عصر الغيبة وعصر الحضور، لأن الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) لم يغب عنا بل نحن الذين غبنا عنه، والإمام موجود يحضر عند الناس فهم يعرفونه بشخصه ولكنهم لايعرفون شخصيته، ولذلك تراهم إذا رأوه في عصر الظهور قالوا: لقد رأيناه من قبل دون أن نعرف أنه الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
فلماذا لا نفكر في اللجوء إليه لحلّ معضلاتنا الفكرية ولماذا لا نستغيث به كلّما وقفنا على مفترق الطرق حائرين؟!
وهناك قصص كثيرة عن لجوء المؤمنين إلى الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وحلّه لمشكلاتهم الفكرية، ومنها:
· ينقل عن السيد الفشاركي (رحمه الله) وهو أحد العلماء المحققين أنه طلب يوماً من أستاذه «المجدد الشيرازي الكبير» (رحمه الله) موعداً خاصّاً، وفي اللقاء طلب السيد الفشاركي من أستاذه أن يسمح له بأن يتكلّم معه في هذا اللقاء بعيداً عن الضوابط التي تحكم - عادة - علاقة التلميذ والأستاذ، واستجاب الأستاذ. فقال السيد الفشاركي: سيدنا لماذا أنت ساكت على هؤلاء الكفار المحتلّين الذين دخلوا إيران؟ وماذا تنتظر؟ هل تخاف على حياتك؟ وهل دمك أغلى من دم الإمام الحسين (عليه السلام) وقد ضحّى بنفسه الشريفة وأهل بيته وأصحابه من أجل دين جدّه؟ فأجابه المجدد الشيرازي (رحمة الله عليه): إني لم أكن خائفاً على نفسي من الموت ولكني كنت حائراً لا أدري ما أفعل، حتى ذهبت اليوم إلى سرداب الغيبة واستمددت من وليّ الأمر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، فأذن لي، ثم أصدر فتواه الشهيرة التي تقول: «استعمال التبغ في هذا اليوم بمثابة محاربة الإمام المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف».
· يوم كان العالم المشهور الميرزا مهدي الإصفهاني (رحمة الله عليه) طالباً يدرس في النجف الأشرف تجاذبته بعض التيارات الفكرية وبقي في حيرة من أمره لا يدري ما هو الطريق؟ وظلّ مدة قلقاً متحيّراً ولم يبق أمامه إلاّ الملاذ الأخير - بل الملاذ الأول - وهو الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). (ولقد أبدلنا كلمة «الملاذ الأخير» إلى «الملاذ الأول» لأنه الملاذ الأول حقاً ولكننا نغفل عن ذلك عادة، وبعد أن نطرق كل الأبواب ونعجز لا يبقى أمامنا إلا بابه فنلجأ إليه ليحلّ معضلاتنا. إننا عندما نعبّر عن الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) أنه الملاذ الأخير فنعني أنه الأمل الأخير لكلّ الذين وصلوا إلى طريق مسدود وأعيتهم الحيل إذ أخطأوا الطريق ولم يلجأوا إليه أولاً).
يقول الميرزا الإصفهاني: فذهبت إلى وادي السلام وجعلت أتوسل وأبكي لكي يهديني الله إلى الطريق الصحيح، وبينا أنا كذلك وإذا بنور ولي ّ الله الأعظم يشرق عليّ ورأيت عبارة كتبت بنور أخضر وهي: طلب المعارف من غير طريقنا أهل البيت مساوق لإنكارنا وقد أقامني الله وأنا الحجة بن الحسن. وهذه العبارة هي التي أنقذته من الضياع الفكري ورسمت له الخط الذي يجب أن يسلكه.
وعاد الشيخ الإصفهاني من النجف الأشرف إلى مشهد المقدسة ورفع الراية المهدوية وكثير من الذين يرفعون راية المهدوية في إيران والعالم اليوم هم من تلاميذ الشيخ الإصفهاني ومدرسته. ولولا هذا الالتجاء والتوسل بالإمام لربما بقي الشيخ على ضياعه حتى نهاية عمره.
· كان السيد بحر العلوم (رحمة الله عليه) في طريقه من النجف الأشرف إلى سامراء المقدسة يمشي وحده وكانت تراود ذهنه شبهة، إذ حضر الإمام (عليه السلام) وحلّها له.
· وهكذا كان العلامة الحلّي في طريقه إلى كربلاء المقدسة في ليلة من ليالي الجمع إذ أتاه الإمام الحجة (عليه السلام) وحلّ له مشكلة فكرية كان يعاني منها.
ولنا بقية
الفصل الأول: الإمام المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية، ونعرض هذا الفصل في مقامين:
المقام الأول: الإمام المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية العامّة.
المقام الثاني: الإمام المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية الخاصّة
الفصل الثاني: بعض مظاهر الرحمة الإلهية الخاصة التي تجري على يد الإمام المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
الفصل الأول
الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)
مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية
المقام الأوّل: الإمام المهدي عجّل الله فرجه مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية العامة
وهذا ما سنوضحه من خلال النقاط التالية:
· النقطة الأولى: إن لله سبحانه وتعالى رحمة عامّة تسع جميع الموجودات بلا استثناء، وهي الرحمة التي أشار إليها القرآن الكريم بقوله: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء)[1]، والشيئية تساوق الوجود - كما يقول العلماء - ويتفرّع على هذه المساوقة أربع قواعد كالتالي:
- القاعدة الأولى: كلّ موجود فهو شيء.
- القاعدة الثانية: كلّ شيء فهو موجود.
- القاعدة الثالثة: كلّ ما ليس بموجود فليس بشيء.
- القاعدة الرابعة: كلّ ما ليس بشيء فليس بموجود.
فلو وضعت إصبعك على أيّ موجود من موجودات عالم الإمكان سواء كان هذا الموجود ذهنياً أو خارجياً وسواء كان جوهراً أم عرضاً، وسواء كان موجوداً حقيقياً أم موجوداً انتزاعياً، وفي أية نشأة من نشآته كان، فهو شيء، ومن ثم لا يوجد عندنا مفهوم في العالم أوسع من مفهوم الشيء، فعندما يقول الله تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء) فهذا يعني أنه لا يشذّ عن هذه الرحمة أيّ موجود من الموجودات، فما من موجود إلا وهو مشمول للرحمة الإلهية العامة.
· النقطة الثانية: لقد جرت عادة الله على أن تجري الأشياء بأسبابها، فهذه الرحمة الإلهية العامة لا تجري - عادة - إلا عبر أسباب، فلو أردت الدفء مثلاً فإن الله لا يمنحك الدفء - عادة - مباشرة بل انه تعالى جعل منابع للدفء في هذا العالم كالشمس، فيجب عليك أن تأخذه منها، وهكذا لو أردت الارتواء من العطش فإن الله لم تجر عادته على إرواء الإنسان مباشرة، بل يجب عليك اللجوء إلى الماء فهو الذي يزيل العطش بإذن الله ومشيّته.
· النقطة الثالثة: إن جميع روافد الرحمة الإلهية العامة تنتهي إلى منبع واحد هو وجود خاتم الأوصياء الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وكلّ رافد يمثّل جانباً من جوانب الرحمة الإلهية العامة، فالشمس تمثّل جانباً والماء جانباً والهواء الذي نستنشقه يمثّل جانباً من جوانب الرحمة الإلهية العامة، ولكن هناك منبع واحد يمثّل الرحمة الإلهية العامّة الشاملة بتمام أبعادها ومظاهرها، ذلكم هو الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وقد روي أنه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) قال عن نفسه: «إن رحمة ربكم وسعت كل شيء وأنا تلك الرحمة».[2]
وفي زيارة آل ياسين نخاطب الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف): السلام عليك أيها الرحمة الواسعة.[3] وفي الدعاء: «وأكمِل ذلك بابنه القائم رحمة للعالمين»[4].
وكلمة "العالمين": جمع "عالم" فهي تشمل عالم الإنس، والجن، والملائكة، وعالم الأجنة والنبات والحيوان...، لأن كلّ مجال يضمّ صنفاً من المخلوقات فهو عالَم.
استناداً إلى ما تقدم وإلى بعض الروايات المعتبرة الأخرى، يمثّل الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) الرحمة التي تشمل كلّ العوالم، فما من شيء إلا وهو مشمول بها، وهو (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) يمثّل المنبع الذي يمدّ جميع الروافد الخاصّة للرحمة الإلهية،[5] ولذلك لا تجد موجوداً في هذا العالم - إنساناً كان أم نباتاً أم جماداً أو ملكاً - إلا وهو مشمول لهذه الرحمة التي تسع المؤمن والكافر والمنافق وجميع الكائنات، فكلّ الكائنات إنما يجلسون على مائدة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ويكتسبون الفيض منه - بإذن الله تعالى ومشيئته.
المقام الثاني: الإمام المهدي عجّل الله فرجه مظهر الرحمة الإلهية الخاصة
وهذا البحث نعرض له أيضاً ضمن نقاط هي:
· النقطة الأولى: إن القرآن الكريم يثبت أن وراء الرحمة الإلهية العامّة رحمة إلهية خاصّة، والرحمة الإلهية العامّة غير مقيّدة بشرط، أما الرحمة الإلهية الخاصّة فهي مقيدة ومشروطة، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (فسأكتبها للذين يتقون)[6] ولاشك أن هذا نمط آخر من الرحمة لأن الله تعالى كتبها لطائفة خاصة، خلافاً للرحمة الإلهية العامّة التي ليست مقيّدة بشيء فشملت كلّ شيء. ويقول سبحانه: (والذين اهتدوا زادهم هدى)[7] فهذه الزيادة مشروطة، وهي هداية خاصة، تختلف عن الهداية العامة التي يقول الله تعالى عنها: (ربّنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى)[8].
· النقطة الثانية: كما أن للرحمة الإلهية العامة روافد، فكذلك الرحمة الإلهية الخاصة لها روافد، تبعاً للقانون الإلهي العام «إن الله تعالى أجرى عادته بأن يخلق الأشياء بأسبابها»[9].
ومن روافد الرحمة الإلهية الخاصّة المتّقون الأخيار، ومن روافدها العلماء الأبرار، ومن روافدها الملائكة المقرّبون.
( من المعضلات الفكرية التي كانت تواجه العلماء هو من أين تأتي للإنسان التصورات التي كان يفقدها مع أن «فاقد الشيء لا يعطيه»؟ وقد تكفّلت الأحاديث الشريفة المرويّة عن المعصومين (عليهم السلام) حلّ هذه المعضلة إذ قالت: إن الملائكة هي التي تقوم بهذا الدور حيث تلقي الأفكار والتصورات الطيبة في روع الإنسان، وكثيراً ما يتّفق أن يكون الشخص جالساً خالي البال وإذا به يلقى في روعه أن يقوم بعبادة ما أو عمل صالح لم يكن قد نبّهه إليه أحد).
· النقطة الثالثة: إن المنبع الذي تنتهي إليه وتستمد منه جميع الروافد هو الوجود المبارك للإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).[10]
وهكذا يكون الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) هو المنبع الذي تنتهي إليه روافد الرحمة الإلهية العامة والخاصة، فكل ما عندنا من رحمة خاصة وعامة فإنما هو ببركة وجوده الشريف.
الفصل الثاني
بعض مظاهر الرحمة الإلهية الخاصة الجارية
على يد الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)
ويتجلّى ذلك في مظاهر، منها:
المظهر الأول: حلّ المعضلات العلمية
لقد كان العلماء في عصر الأئمة (عليهم السلام) إذا واجهتهم معضلة علمية أو فكرية يلجأون إلى الأئمة (عليهم السلام) لحل تلك المعضلة، أما نحن الذين نعيش في عصر الغيبة فينبغي أن نوثّق علاقتنا بالإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ليعيننا في حلّ ما يواجهنا من معضلات، ولا فرق من هذه الجهة بين عصر الغيبة وعصر الحضور، لأن الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) لم يغب عنا بل نحن الذين غبنا عنه، والإمام موجود يحضر عند الناس فهم يعرفونه بشخصه ولكنهم لايعرفون شخصيته، ولذلك تراهم إذا رأوه في عصر الظهور قالوا: لقد رأيناه من قبل دون أن نعرف أنه الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
فلماذا لا نفكر في اللجوء إليه لحلّ معضلاتنا الفكرية ولماذا لا نستغيث به كلّما وقفنا على مفترق الطرق حائرين؟!
وهناك قصص كثيرة عن لجوء المؤمنين إلى الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وحلّه لمشكلاتهم الفكرية، ومنها:
· ينقل عن السيد الفشاركي (رحمه الله) وهو أحد العلماء المحققين أنه طلب يوماً من أستاذه «المجدد الشيرازي الكبير» (رحمه الله) موعداً خاصّاً، وفي اللقاء طلب السيد الفشاركي من أستاذه أن يسمح له بأن يتكلّم معه في هذا اللقاء بعيداً عن الضوابط التي تحكم - عادة - علاقة التلميذ والأستاذ، واستجاب الأستاذ. فقال السيد الفشاركي: سيدنا لماذا أنت ساكت على هؤلاء الكفار المحتلّين الذين دخلوا إيران؟ وماذا تنتظر؟ هل تخاف على حياتك؟ وهل دمك أغلى من دم الإمام الحسين (عليه السلام) وقد ضحّى بنفسه الشريفة وأهل بيته وأصحابه من أجل دين جدّه؟ فأجابه المجدد الشيرازي (رحمة الله عليه): إني لم أكن خائفاً على نفسي من الموت ولكني كنت حائراً لا أدري ما أفعل، حتى ذهبت اليوم إلى سرداب الغيبة واستمددت من وليّ الأمر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، فأذن لي، ثم أصدر فتواه الشهيرة التي تقول: «استعمال التبغ في هذا اليوم بمثابة محاربة الإمام المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف».
· يوم كان العالم المشهور الميرزا مهدي الإصفهاني (رحمة الله عليه) طالباً يدرس في النجف الأشرف تجاذبته بعض التيارات الفكرية وبقي في حيرة من أمره لا يدري ما هو الطريق؟ وظلّ مدة قلقاً متحيّراً ولم يبق أمامه إلاّ الملاذ الأخير - بل الملاذ الأول - وهو الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). (ولقد أبدلنا كلمة «الملاذ الأخير» إلى «الملاذ الأول» لأنه الملاذ الأول حقاً ولكننا نغفل عن ذلك عادة، وبعد أن نطرق كل الأبواب ونعجز لا يبقى أمامنا إلا بابه فنلجأ إليه ليحلّ معضلاتنا. إننا عندما نعبّر عن الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) أنه الملاذ الأخير فنعني أنه الأمل الأخير لكلّ الذين وصلوا إلى طريق مسدود وأعيتهم الحيل إذ أخطأوا الطريق ولم يلجأوا إليه أولاً).
يقول الميرزا الإصفهاني: فذهبت إلى وادي السلام وجعلت أتوسل وأبكي لكي يهديني الله إلى الطريق الصحيح، وبينا أنا كذلك وإذا بنور ولي ّ الله الأعظم يشرق عليّ ورأيت عبارة كتبت بنور أخضر وهي: طلب المعارف من غير طريقنا أهل البيت مساوق لإنكارنا وقد أقامني الله وأنا الحجة بن الحسن. وهذه العبارة هي التي أنقذته من الضياع الفكري ورسمت له الخط الذي يجب أن يسلكه.
وعاد الشيخ الإصفهاني من النجف الأشرف إلى مشهد المقدسة ورفع الراية المهدوية وكثير من الذين يرفعون راية المهدوية في إيران والعالم اليوم هم من تلاميذ الشيخ الإصفهاني ومدرسته. ولولا هذا الالتجاء والتوسل بالإمام لربما بقي الشيخ على ضياعه حتى نهاية عمره.
· كان السيد بحر العلوم (رحمة الله عليه) في طريقه من النجف الأشرف إلى سامراء المقدسة يمشي وحده وكانت تراود ذهنه شبهة، إذ حضر الإمام (عليه السلام) وحلّها له.
· وهكذا كان العلامة الحلّي في طريقه إلى كربلاء المقدسة في ليلة من ليالي الجمع إذ أتاه الإمام الحجة (عليه السلام) وحلّ له مشكلة فكرية كان يعاني منها.
ولنا بقية