سجى
16-02-2008, 02:57 AM
:قضية المرأة في (تفسير الميزان) والنظرية الإسلامية في المرأة
تكثّفت النصوص القرآنية المتعلقة بالمرأة في المجتمع الإسلامي، في سورتين كبيرتين هما: البقرة والنساء، ومنهما انطلق السيد الطباطبائي في استنباط نظريته الاجتماعية وهما ما سنتّخذه مدخلاً للتعامل مع هذه النظرية.
في الجزء الثاني من الكتاب وردت دراسة مقارنة حول المسألة يمكن لها أن تكون أساساً لنظرية، ذلك أنه من ملامح ما يمكن أن يعتبر نظرية اجتماعية هو الحالة المقارنة فيها، لذلك نرى، في استعراض المؤلف لأوضاع المرأة في المجتمعات ما قبل الإسلامية، وانتقاله إلى المقارنة الراهنة مع المجتمعات الغربية، استكمالاً لطرح نظرية وليس لإبداء وجهة نظر فحسب. وإذا تمعنا في مجمل كتاب الميزان بمختلف الأبحاث نكتشف ذلك بشكل أعمق، فالسيد الكاتب يقدم اجتماعياً نظرية تتسم بالاتساق والتكامل وانعدام التناقض بين أوجهها المختلفة مما لا يتسع المجال لطرحه هنا.
يقدم السيد الطباطبائي نظريته على الشكل التالي (ج2، ص260): (من المعلوم أن الإسلام ـ والذي شرّعه هو الله عزّ اسمه ـ لم يبن شرائعه على أصل التجارب كما بنيت عليه سائر القوانين، لكنا في قضاء العقل في شرائعه ربما احتجنا إلى التأمل في الأحكام والقوانين والرسوم الدائرة بين الأمم الحاضرة والقرون الخالية، ثم البحث عن السعادة الإنسانية وتطبيق النتيجة على المحصّل على مذاهبهم ومسالكهم حتى تزن به مكانته ومكانتها..).
فانطلاق النظرية، إذاً، ليس فرضياً قائماً على التجربة التي تؤكد مصداقية الفرضية، ذلك أن الإسلام تشريع إلهي، ولكنّ المقارنة هنا يقصد بها تقديم مسوّغات تعزز المصداقية لترتقي إلى مستوى التجريب العلمي على أرض الواقع، وبخاصة في مجال التطبيق الذي يقدم الدعم لصلاحية النظرية للحياة والاستمرار.
المرأة في أطوار تاريخية سابقة على الإسلام
أ. في الأمم الهمجية:
يلخص وضع المرأة في هذا الإطار ـ بالنسبة للرجل طبعاً ـ بأنها كانت تعيش كالحيوانات الأهلية من الأنعام وغيرها، وكانت تستخدم في الخدمة والرعاية كأنها ملك للرجل ولخدمته بالطريقة التي تتم بها عملية استخدام الحيوانات الداجنة. ويحدد الأماكن الجغرافية لتلك الأمم في أفريقيا واستراليا والجزر المأهولة وأمريكا القديمة.
ويبدو أنّ المؤلّف استند إلى دراسات عديدة نشرت عن الوضع الراهن لتلك الأمم استقراءً لما كانت عليه في عصورها القديمة، باعتبار أنها لم تتغير كثيراً عما كانت عليه في تلك الأزمنة. لقد كان للدراسات المعاصرة على القبائل المشار إليها، وبخاصة في استراليا وجزر تاهيتي والهنود الحمر، وبعض قبائل أفريقيا السوداء، أن تثير الجدل حقاً.
واعتبر بعضهم أن أبحاث (اليفي برول) عالم الاجتماع المعروف على سبيل المثال فيها الكثير من التعسف واللاعلمية، ومع ذلك فإن بعض المصداقية يقر. كما يتبنى المؤلف أن المرأة فيها (ليس لها من حقوق الحياة إلا ما رآه الإنسان المالك لها حقاً لنفسه، فمن تعدى إليها لا يؤاخذ إلا لأنه تعدى إلى مالكها في ملكه، لا إلى الحيوان نفسه، كل ذلك لأن الإنسان يرى وجودها تبعاً لوجود نفسه وحياتها فرعاً لحياته ومكانتها مكانة الطفيلي.. كذلك كانت حياة النساء مخلوقة عندهم لأجل الرجال بقول مطلق. كانت النساء تابعة الوجود والحياة لهم من غير استقلال في حياة ولا في حق، فكان آباؤهنّ ما لم ينكحن وبعولتهن بعد النكاح أولياء لهنّ على الإطلاق..).
هذه الملكية من الرجل للمرأة ـ بحسب الأبحاث التي استند عليها المؤلف ـ أباحت للرجل أن يبيع ويشتري ويقرض للفراش والاستيلاد والخدمة وصولاً إلى حقه في القتل. وفي المقابل على المرأة الطاعة المطلقة وأن تقوم بكل ما يطلب منها أياً كان، وعلى أية درجة.
ب. في الأمم المتمدّنة (قبل الإسلام):
تندرج، تحت هذا العنوان، أمم حددها المؤلف بأن لم يكن عندها كتاب سماوي وإن كانت لها قوانين وعادات موروثة وتشريعات وضيعة، كالصين والهند ومصر وإيران، وما بين النهرين، ولعلّ أبرز تشريع شهير عرف فيها ما أطلق عليه: شريعة حمورابي.
ويورد مثالاً من تلك الشريعة أن المرأة كانت تتبع زوجها من دون أي استقلال في الإدارة أو العمل، حتى أن الزوجة إن لم تطع زوجها في أي شيء من أمور المعاشرة أو استقلت بشيء من الفعل، كان للزوج أن يخرجها من بيته أو يتزوج عليها ويعاملها معاملة الجارية ملك اليمين وتفقد بذلك حريتها. ثم أنها لو أخطأت في تدبير البيت بإسراف أو تبذير كان له أن يرفع أمرها إلى القاضي ثم يغرقها في الماء بعد إثبات الجرم وقبل القضاء.
ظهر سنة 400 قبل الميلاد، ما عرف بالقانون الروماني، وهو يدرّس اليوم في كليات الحقوق، بوصفه أقدم تشريع راق في المدنيّة الإنسانية. ما يتعلق منه بالمرأة يمكن عرض بعض منه كما يلي:
هو يعطي للأسرة شكلها الأبوي المعروف بما في ذلك استقلالية بارزة لرب الأسرة، هذه الاستقلالية كانت تتيح له حالة من حالات الربوبية إلى درجة أن يعبد من قبل أهل بيته تماماً كعبادته هو لمن تقدّم من آبائه.
يمنح القانون الروماني لرب الأسرة مشيئة نافذة صارمة على أهل بيته: زوجة وأبناء حتى درجة السماح له بإيقاع عقوبة القتل على أي فرد من أفراد أسرته.
المرأة، في أسرة كهذه، لم يكن مسموحاً لها بالاستقلال في أمورها على أية صفة كانت، فهي مجرد تابع؛ القرابة والتوارث يختص بهما الرجال، فالمرأة لا ترث تبعاً لصلات القربى بين أفراد الأسرة الواحدة، وفي ظروف كهذه كان مسموحاً أن تتمّ علاقات جنسية بين المحارم تحت ولاية رب البيت.
المرأة، في ظل القانون الروماني، مجرد طفيلية تابعة، زمام حيلتها وإرادتها بيد رب الأسرة يفعل بها ما يريد، بيعاً وهبةً، وإقراضاً للتّمتّع، وسداد دين، وله الحق في قتلها، وله ما تكسبه من أموال بأية وسيلة تمكنت من ذلك، ويستطيع تزويجها ممن يشاء.
هذه الحالة الأبوية في الأسرة تنسحب على المجتمع برمته ليتحول إلى مجتمع ذكوري تتوارى فيه المرأة إلى الهامش، عليها واجبات وليس لها أية حقوق، فهي مجرد حاجة للمتعة والنسل.. المواطن الحقيقي فيه هو الذكر، وهذا ما أدى إلى استشراء عادة التبني والإلحاق بالنسب للذكور برب الأسرة في سبيل استمرار بقاء الأسرة وحمايتها من الانقراض.
يذكر، في هذا المجال، أن أمّة بلغت حداً عالياً من الرقي الثقافي كدولة اليونان لم تكن تختلف كثيراً عما ذكر عن الأمم السالفة، فقد ساد فيها، إلى جانب ذلك، تقليد عدد الزوجات وهو ما لم يكن معروفاً عند أمم أخرى، لكن الزوجة الأولى كانت تعدّ رسمية حسب القانون، بينما عدّت الأخريات غير رسميات. ومن الجدير ذكره أن اليونان أنتجت الثلاثي الأشهر: سقراط وافلاطون وأرسطو وفلسفة بلغت حداً رائعاً من السمو، وهو ما لم يمنع من اضطهاد المرأة إلى الحد الذي ذكرنا.
ج. عرب الجاهلية
أصبح مشهوراً أن الظروف الاجتماعية القاسية التي سادت الجزيرة العربية قبل الإسلام عالجها القرآن الكريم بكثير من التفاصيل، لكي يضع البديل العادل، وهكذا احتلت قضية المرأة وحقوقها وواجباتها جانباً هاماً من آياته.
وقد رسم القرآن والتاريخ صورة وضع المرأة الاجتماعي؛ فهي باختصار لا ترث مطلقاً في ظل ما عرف عند بني تميم في قصتهم الشهيرة مع النعمان بن المنذر ـ وسيادة نظام تعدد الزوجات من دون تحديد. واعتبرت ولادة البنت في الأسرة نذير شؤم، كما ورد في نص الآية الكريمة.
لهذا انتشر نظام ادعاء الولد الذكر وإلحاقه بالأسرة حتى ولو كان ابناً عن طريق علاقات غير شرعية بحيث يلحقه بنسبه الرّجل الأقوى والأكثر نفوذاً، عندما يتم الخلاف على الأب الحقيقي في علاقة متعددة مع امرأة عاهر.
لم يكن للمرأة أية استقلالية، وهو الأمر السائد في الأغلبيّة العظمى، علماً أن الطبقة الأرستقراطية العربية، والمدينية خاصة، منحت نساءها نوعاً من هذه الاستقلالية، كما نقرأ في سيرة خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها) زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله).
لقد عبّر القرآن الكريم عن حالات مشابهة للتي أشرنا إليها في أمم سالفة من ناحية استخدام المرأة في البغاء والإقراض للاستمتاع، أو الحمل غير الشرعي برضى الزوج من الطبقة الدنيا لكي تلد له ابناً من علاقة غير شرعية من أحد السادة من الطبقات الأرستقراطية القبلية.
لقد عرف عن العرب انتفاء وجود القانون الذي يحكم العلاقات الاجتماعية، هذه العلاقات ظلت تستند إلى الأعراف القبلية من جهة، وإلى ما تم اقتباسه من تقاليد الأمم المتمدنة المحيطة بهم كالفرس والروم والأحباش من جهة أخرى. فهي من العناصر الخارجة عن هيكل المجتمع المركب غير داخلة فيه، مجرد حاجة لا بد منها ولا غنى عنها.
لكل ذلك فقد جاء الإسلام بتشريعاته التي سنتطرق إليها من خلال نصوص السيد الطباطبائي ثورة حقيقية في سبيل تغيير واقع المرأة، ونقل قضيتها إلى حيز جديد كل الجدة متسماً بالعدالة وخاضعاً للتغيير نحو الأفضل في المستقبل، تبعاً لتطور الظروف الاجتماعية والاجتهاد في تأويل نصوص القرآن والسنة النبوية.
نظرة إلى التشريعات الإسلامية حول المرأة
ينطلق المؤلف، في تكثيفه للتشريعات القرآنية، من مبدأ الفطرة التي عرف الإسلام بها، بمعنى انسجامه وعدم تناقضه مع طبيعة تكوين الإنسان نفسه. فقد كان الإسلام نقلة نوعية حاجة لوضع المرأة يختلف جذرياً عما كان عليه حالها قبله في بنائه على الفطرة التي تأسس عليها والتي تقر بأن فطرة المرأة والرجل متشابهتان جذرياً، معاكساً النظرة العامة للمجتمعات الإنسانية برمتها.
وهو بهذا الرأي يطلق حِكم قيّمة منسجماً مع ما عرضه بتكثيف عن وضع المرأة في العالم حتى ظهور الإسلام.
والحقيقة أن توصيف مسألة الفطرة خاضع كلياً للعلم بمختلف فروعه، ولأن الإسلام أقرّ مبدأ قوامة الرجل على المرأة وزيادته عليها درجة، تبعاً لمنطوق الآيتين القرآنيتين، فقد بدأ ذلك مثيراً للجدل في العصر الحديث حول مسألة المساواة بين الجنسين، ودافعاً للبحث المعمّق حول مشروعية تشريع كهذا في انسجامه مع مبدأ الاستقلالية.
ويمكن تلخيص البنود الهامة في قضية المرأة في الإسلام، لدى المؤلّف، على الشكل التالي، بادئين من جدلية القوامة ومدى مشروعيتها:
1ـ القوامة والفوارق الفطرية بين الجنسين.
2ـ هوية المرأة.
3ـالوزن الاجتماعي للمرأة وأحكام المساواة بين الجنسين.
4ـ جدلية التربية والنظرية في التطبيق.
:3:
تكثّفت النصوص القرآنية المتعلقة بالمرأة في المجتمع الإسلامي، في سورتين كبيرتين هما: البقرة والنساء، ومنهما انطلق السيد الطباطبائي في استنباط نظريته الاجتماعية وهما ما سنتّخذه مدخلاً للتعامل مع هذه النظرية.
في الجزء الثاني من الكتاب وردت دراسة مقارنة حول المسألة يمكن لها أن تكون أساساً لنظرية، ذلك أنه من ملامح ما يمكن أن يعتبر نظرية اجتماعية هو الحالة المقارنة فيها، لذلك نرى، في استعراض المؤلف لأوضاع المرأة في المجتمعات ما قبل الإسلامية، وانتقاله إلى المقارنة الراهنة مع المجتمعات الغربية، استكمالاً لطرح نظرية وليس لإبداء وجهة نظر فحسب. وإذا تمعنا في مجمل كتاب الميزان بمختلف الأبحاث نكتشف ذلك بشكل أعمق، فالسيد الكاتب يقدم اجتماعياً نظرية تتسم بالاتساق والتكامل وانعدام التناقض بين أوجهها المختلفة مما لا يتسع المجال لطرحه هنا.
يقدم السيد الطباطبائي نظريته على الشكل التالي (ج2، ص260): (من المعلوم أن الإسلام ـ والذي شرّعه هو الله عزّ اسمه ـ لم يبن شرائعه على أصل التجارب كما بنيت عليه سائر القوانين، لكنا في قضاء العقل في شرائعه ربما احتجنا إلى التأمل في الأحكام والقوانين والرسوم الدائرة بين الأمم الحاضرة والقرون الخالية، ثم البحث عن السعادة الإنسانية وتطبيق النتيجة على المحصّل على مذاهبهم ومسالكهم حتى تزن به مكانته ومكانتها..).
فانطلاق النظرية، إذاً، ليس فرضياً قائماً على التجربة التي تؤكد مصداقية الفرضية، ذلك أن الإسلام تشريع إلهي، ولكنّ المقارنة هنا يقصد بها تقديم مسوّغات تعزز المصداقية لترتقي إلى مستوى التجريب العلمي على أرض الواقع، وبخاصة في مجال التطبيق الذي يقدم الدعم لصلاحية النظرية للحياة والاستمرار.
المرأة في أطوار تاريخية سابقة على الإسلام
أ. في الأمم الهمجية:
يلخص وضع المرأة في هذا الإطار ـ بالنسبة للرجل طبعاً ـ بأنها كانت تعيش كالحيوانات الأهلية من الأنعام وغيرها، وكانت تستخدم في الخدمة والرعاية كأنها ملك للرجل ولخدمته بالطريقة التي تتم بها عملية استخدام الحيوانات الداجنة. ويحدد الأماكن الجغرافية لتلك الأمم في أفريقيا واستراليا والجزر المأهولة وأمريكا القديمة.
ويبدو أنّ المؤلّف استند إلى دراسات عديدة نشرت عن الوضع الراهن لتلك الأمم استقراءً لما كانت عليه في عصورها القديمة، باعتبار أنها لم تتغير كثيراً عما كانت عليه في تلك الأزمنة. لقد كان للدراسات المعاصرة على القبائل المشار إليها، وبخاصة في استراليا وجزر تاهيتي والهنود الحمر، وبعض قبائل أفريقيا السوداء، أن تثير الجدل حقاً.
واعتبر بعضهم أن أبحاث (اليفي برول) عالم الاجتماع المعروف على سبيل المثال فيها الكثير من التعسف واللاعلمية، ومع ذلك فإن بعض المصداقية يقر. كما يتبنى المؤلف أن المرأة فيها (ليس لها من حقوق الحياة إلا ما رآه الإنسان المالك لها حقاً لنفسه، فمن تعدى إليها لا يؤاخذ إلا لأنه تعدى إلى مالكها في ملكه، لا إلى الحيوان نفسه، كل ذلك لأن الإنسان يرى وجودها تبعاً لوجود نفسه وحياتها فرعاً لحياته ومكانتها مكانة الطفيلي.. كذلك كانت حياة النساء مخلوقة عندهم لأجل الرجال بقول مطلق. كانت النساء تابعة الوجود والحياة لهم من غير استقلال في حياة ولا في حق، فكان آباؤهنّ ما لم ينكحن وبعولتهن بعد النكاح أولياء لهنّ على الإطلاق..).
هذه الملكية من الرجل للمرأة ـ بحسب الأبحاث التي استند عليها المؤلف ـ أباحت للرجل أن يبيع ويشتري ويقرض للفراش والاستيلاد والخدمة وصولاً إلى حقه في القتل. وفي المقابل على المرأة الطاعة المطلقة وأن تقوم بكل ما يطلب منها أياً كان، وعلى أية درجة.
ب. في الأمم المتمدّنة (قبل الإسلام):
تندرج، تحت هذا العنوان، أمم حددها المؤلف بأن لم يكن عندها كتاب سماوي وإن كانت لها قوانين وعادات موروثة وتشريعات وضيعة، كالصين والهند ومصر وإيران، وما بين النهرين، ولعلّ أبرز تشريع شهير عرف فيها ما أطلق عليه: شريعة حمورابي.
ويورد مثالاً من تلك الشريعة أن المرأة كانت تتبع زوجها من دون أي استقلال في الإدارة أو العمل، حتى أن الزوجة إن لم تطع زوجها في أي شيء من أمور المعاشرة أو استقلت بشيء من الفعل، كان للزوج أن يخرجها من بيته أو يتزوج عليها ويعاملها معاملة الجارية ملك اليمين وتفقد بذلك حريتها. ثم أنها لو أخطأت في تدبير البيت بإسراف أو تبذير كان له أن يرفع أمرها إلى القاضي ثم يغرقها في الماء بعد إثبات الجرم وقبل القضاء.
ظهر سنة 400 قبل الميلاد، ما عرف بالقانون الروماني، وهو يدرّس اليوم في كليات الحقوق، بوصفه أقدم تشريع راق في المدنيّة الإنسانية. ما يتعلق منه بالمرأة يمكن عرض بعض منه كما يلي:
هو يعطي للأسرة شكلها الأبوي المعروف بما في ذلك استقلالية بارزة لرب الأسرة، هذه الاستقلالية كانت تتيح له حالة من حالات الربوبية إلى درجة أن يعبد من قبل أهل بيته تماماً كعبادته هو لمن تقدّم من آبائه.
يمنح القانون الروماني لرب الأسرة مشيئة نافذة صارمة على أهل بيته: زوجة وأبناء حتى درجة السماح له بإيقاع عقوبة القتل على أي فرد من أفراد أسرته.
المرأة، في أسرة كهذه، لم يكن مسموحاً لها بالاستقلال في أمورها على أية صفة كانت، فهي مجرد تابع؛ القرابة والتوارث يختص بهما الرجال، فالمرأة لا ترث تبعاً لصلات القربى بين أفراد الأسرة الواحدة، وفي ظروف كهذه كان مسموحاً أن تتمّ علاقات جنسية بين المحارم تحت ولاية رب البيت.
المرأة، في ظل القانون الروماني، مجرد طفيلية تابعة، زمام حيلتها وإرادتها بيد رب الأسرة يفعل بها ما يريد، بيعاً وهبةً، وإقراضاً للتّمتّع، وسداد دين، وله الحق في قتلها، وله ما تكسبه من أموال بأية وسيلة تمكنت من ذلك، ويستطيع تزويجها ممن يشاء.
هذه الحالة الأبوية في الأسرة تنسحب على المجتمع برمته ليتحول إلى مجتمع ذكوري تتوارى فيه المرأة إلى الهامش، عليها واجبات وليس لها أية حقوق، فهي مجرد حاجة للمتعة والنسل.. المواطن الحقيقي فيه هو الذكر، وهذا ما أدى إلى استشراء عادة التبني والإلحاق بالنسب للذكور برب الأسرة في سبيل استمرار بقاء الأسرة وحمايتها من الانقراض.
يذكر، في هذا المجال، أن أمّة بلغت حداً عالياً من الرقي الثقافي كدولة اليونان لم تكن تختلف كثيراً عما ذكر عن الأمم السالفة، فقد ساد فيها، إلى جانب ذلك، تقليد عدد الزوجات وهو ما لم يكن معروفاً عند أمم أخرى، لكن الزوجة الأولى كانت تعدّ رسمية حسب القانون، بينما عدّت الأخريات غير رسميات. ومن الجدير ذكره أن اليونان أنتجت الثلاثي الأشهر: سقراط وافلاطون وأرسطو وفلسفة بلغت حداً رائعاً من السمو، وهو ما لم يمنع من اضطهاد المرأة إلى الحد الذي ذكرنا.
ج. عرب الجاهلية
أصبح مشهوراً أن الظروف الاجتماعية القاسية التي سادت الجزيرة العربية قبل الإسلام عالجها القرآن الكريم بكثير من التفاصيل، لكي يضع البديل العادل، وهكذا احتلت قضية المرأة وحقوقها وواجباتها جانباً هاماً من آياته.
وقد رسم القرآن والتاريخ صورة وضع المرأة الاجتماعي؛ فهي باختصار لا ترث مطلقاً في ظل ما عرف عند بني تميم في قصتهم الشهيرة مع النعمان بن المنذر ـ وسيادة نظام تعدد الزوجات من دون تحديد. واعتبرت ولادة البنت في الأسرة نذير شؤم، كما ورد في نص الآية الكريمة.
لهذا انتشر نظام ادعاء الولد الذكر وإلحاقه بالأسرة حتى ولو كان ابناً عن طريق علاقات غير شرعية بحيث يلحقه بنسبه الرّجل الأقوى والأكثر نفوذاً، عندما يتم الخلاف على الأب الحقيقي في علاقة متعددة مع امرأة عاهر.
لم يكن للمرأة أية استقلالية، وهو الأمر السائد في الأغلبيّة العظمى، علماً أن الطبقة الأرستقراطية العربية، والمدينية خاصة، منحت نساءها نوعاً من هذه الاستقلالية، كما نقرأ في سيرة خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها) زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله).
لقد عبّر القرآن الكريم عن حالات مشابهة للتي أشرنا إليها في أمم سالفة من ناحية استخدام المرأة في البغاء والإقراض للاستمتاع، أو الحمل غير الشرعي برضى الزوج من الطبقة الدنيا لكي تلد له ابناً من علاقة غير شرعية من أحد السادة من الطبقات الأرستقراطية القبلية.
لقد عرف عن العرب انتفاء وجود القانون الذي يحكم العلاقات الاجتماعية، هذه العلاقات ظلت تستند إلى الأعراف القبلية من جهة، وإلى ما تم اقتباسه من تقاليد الأمم المتمدنة المحيطة بهم كالفرس والروم والأحباش من جهة أخرى. فهي من العناصر الخارجة عن هيكل المجتمع المركب غير داخلة فيه، مجرد حاجة لا بد منها ولا غنى عنها.
لكل ذلك فقد جاء الإسلام بتشريعاته التي سنتطرق إليها من خلال نصوص السيد الطباطبائي ثورة حقيقية في سبيل تغيير واقع المرأة، ونقل قضيتها إلى حيز جديد كل الجدة متسماً بالعدالة وخاضعاً للتغيير نحو الأفضل في المستقبل، تبعاً لتطور الظروف الاجتماعية والاجتهاد في تأويل نصوص القرآن والسنة النبوية.
نظرة إلى التشريعات الإسلامية حول المرأة
ينطلق المؤلف، في تكثيفه للتشريعات القرآنية، من مبدأ الفطرة التي عرف الإسلام بها، بمعنى انسجامه وعدم تناقضه مع طبيعة تكوين الإنسان نفسه. فقد كان الإسلام نقلة نوعية حاجة لوضع المرأة يختلف جذرياً عما كان عليه حالها قبله في بنائه على الفطرة التي تأسس عليها والتي تقر بأن فطرة المرأة والرجل متشابهتان جذرياً، معاكساً النظرة العامة للمجتمعات الإنسانية برمتها.
وهو بهذا الرأي يطلق حِكم قيّمة منسجماً مع ما عرضه بتكثيف عن وضع المرأة في العالم حتى ظهور الإسلام.
والحقيقة أن توصيف مسألة الفطرة خاضع كلياً للعلم بمختلف فروعه، ولأن الإسلام أقرّ مبدأ قوامة الرجل على المرأة وزيادته عليها درجة، تبعاً لمنطوق الآيتين القرآنيتين، فقد بدأ ذلك مثيراً للجدل في العصر الحديث حول مسألة المساواة بين الجنسين، ودافعاً للبحث المعمّق حول مشروعية تشريع كهذا في انسجامه مع مبدأ الاستقلالية.
ويمكن تلخيص البنود الهامة في قضية المرأة في الإسلام، لدى المؤلّف، على الشكل التالي، بادئين من جدلية القوامة ومدى مشروعيتها:
1ـ القوامة والفوارق الفطرية بين الجنسين.
2ـ هوية المرأة.
3ـالوزن الاجتماعي للمرأة وأحكام المساواة بين الجنسين.
4ـ جدلية التربية والنظرية في التطبيق.
:3: