مساكن اهل المدينة قديماً “البلد”

كان هناك نمطان رئيسيان لمساكن” النخاولة ” يختلفان كثيراً في جانبهما التخطيطي والتصميمي، ومواد البناء المستخدمة فيهما تبعاً لإختلاف بيئة كل منهما من حيث المكان والثقافة والمؤثرة كليهما في الحاجة الإجتماعية لكل منهما ، فمسـاكن القاطنين داخل المدينة والذين يحترفون غير الزراعة ويجاورون فئات مختلفة من مكونات المجتمع المدني ويسكنون منازل ضمن وحدات سكنية كبيرة فيما يعرف ” بالأحواش ” تختلف تماما عن المساكن خارج وسط المدينة في مناطق ” قباء وقربان والعوالي” وغيرها من الفلاحين الذين تقتضي طبيعة حياتهم بناء مساكن تلبي  حاجاتهم المعيشية.

فلذلك لابد من إلقاء الضوء على كلا النمطين وصولاً الى الصورة الواضحة لمميزات وخصائص هذا المجتمع  بعاداته وأعرافه وطبائع معيشـته وذلك من خلال المسكن الذي يعبرعن المظهر القوي في معرفة هذ الخصائص، وكلامي هنا يركز في أغلبه على المسـاكن التي أنشـئت في العهد العثماني .

اولاً – مسـاكن أهل المدينة ” البلد ” أو ماتعرف في المدينة بالأحواش :

وتطلق عليها بعض كتب التاريخ والمصادر الرسمية “محلة النخاولة ” والتي يقصد بها نفس المعنى لمصطلح ” المساكن”، ففي تعريفه لها ، يقول الأستاذ /عبد القدوس الأنصاري _ رحمه الله “وهي محل سكن هذه الفئة من سكان المدينة وكانوا يعرفون بإسم النخليين نسبة الى حدائق النخل التي تخصصوا أو خصصوا للعمل فيها . ولهم ذكر في بعض تواريخ  المدينة القديمة”(2)

وقد اتى على ذكر موقع هذه المحلة حين وصفه لبئر”ذروان”  الأثرية التي  وقعت فيها  السحر المعلومة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي كان وراءها يهود المدينة آنذاك ، وكانت المنطقة  التي يوجد بها هذا البئر هي مساكن” بني زريق”  الأنصاريين ، فهو يقول ـ رحمه الله ـ في تحديد موقع البئر: ” والشـائع بين الناس أنها البئرالمطمومة الكائنة أمام محلة النخاولة تحت أحد أبراج سور المدينة الجنوبي ….” (3)

كانت مجموعة هذه الأحوشة من محلة النخاولة تشكل نسقاً لايختلف كثيراً عن بقية الأحوشة بالمدينة المنورة من الناحية التخطيطية والمعمارية عدا التركيبة الإجتماعية المختلفة عن غيرها من أنها يقطنها فئة سـكانية كان العامل المذهبي هو الرابط الأكثر تأثيرا ً في ربطهم ضمن منظومة مكانية واحدة منعزلة نوعاً ما عن بقية السـكان الآخرين ، ولكن  يبقى المخطط العمراني لهذه الأحوشة مطواعاً لتحقيق مجموعة من النشاطات الإجتماعية المختلفة في رسم خصوصية واضحة  لهذا المجتمع تفصله عن بقية  المجتمعات الأخرى داخل المدينة ،  فأفنية الأحوشـة مثلا كانت تستخدم لإقامة مناسـبات الأفراح والأتراح الدينية  والإجتماعية للكبار والصغارعلى حد سـواء فالحوش كما هو معروف عند أهل المدينة والحجاز عموماً منطقة سكنية مغلقة ذات منفذ واحد غالباً على شكل سقيفة أو بوابة يتضمن في وسطه ساحة واسعة تفتح عليها واجهات البيوت وتمثل هذه المساحة متنفساً للهواء والشمس لهذه المساكن ، ومكانا للعب الأطفال ، ويستخدمه الأهالي أيضاً لتربية الأغنام والدجاج  ببناء أمكنة خاصة بها  مشيدة من الخشب تسمى” أخنان”بمفردة”خن” كما تستغل هذه الساحة أيضاً كمكان يجتمع  فيه كبار سكانه وشبابه للسـهر وتداول أمورهم ، وبعض هذه الأحواش يمكن غلقها ليلاً تحرزاَ  للجانب الأمني وزيادة في تحصينه إضافة الى بوابة السور الخارجي الذي يقع في شمالها وجنوب الحرم النبوي والذي يقوم بهذا الدور أساساً.

ليأتي مشـروع الهدم لجزء من البيوت لبعض الأحوشـة والذي تم عام (1374هـ) والشارع الجديد الذي يخترق هذه الأحوشة فيغير من تركيبتها هذه شـكلا ومضموناً و لتتغير بذلك مجموعة كبيرة من الأعراف والعادات والتقاليد السـائدة آنذاك لتراعي الوضع الجديد الذي فرض على الواقع آنذاك.

ثانياً : يتبع … مساكن الفلاحين وما جاورها .

محرر المنورة

للمؤلف : أ. حسن مرزوق رجاء الشريمي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:  كتااب النخاولة (النخليون) في المدينة المنورة..التكوين الاجتماعي والثقافي . 2012م . المؤلف : أ. حسن مرزوق رجاء الشريمي .

(2) آثار المدينة المنورة ، ص 250 ، تأليف : عبدالقدوس الأنصاري ، دار الفنون للطباعة والنشر. جدة. ، ط 4، سنة 1406هـ .

(3) نفس المصدر السابق .ص 250.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *