الصورة الاجتماعية – للحج

الحج لغة: القصد المتكرر. واصطلاحا «شرعا»: القصد الى مكة ومشاعرهالأداء المناسك المخصوصة. وشروط وجوبه: البلوغوالعقلوالاستطاعة التي هي الزاد والراحلة في المفتقر الى قطع المسافة، والتمكن من الركوب والمسير، ووجود المحرم مع المرأة للحاجة لا مطلقا، ونفقته وما يتبعها حينئذ، ونفقة واجب النفقة ذهابا وعودا. كما يشترط في صحته الإسلام فلا يقع على الكافر ولا عنه ولمباشرة أفعاله التمييز، فلا يقع من غير المميز استقلالا، بل بفعل الولي. وأنواعه ثلاثة: حج التمتعوحج القرانوحج المفرد. وقد سمي الحج بالحشر الأصغر.

قال الشاعر الحجازي حسين عرب: «وزير حج سابق»:

لبيك يأرب الحجيج، جموعه وفدت عليك                   ترجو المثابة في حماك وتبتغي الزلفى لديك.

لبيك والآمال والأفضال، من نعمى يديك                    لبى لك العبدالمطيــــــــع، وجاء مبتهلا اليك

في أواخر شهر ذي القعدة تبدأ السيارات «ألحمالي» السيارة المرسيدس ذات الصندوق والمتخصصة في نقل البضائع بين المدن بالوصول الى الحارة تباعا وكنا نشاهدها تقف في الأحوشة التالية: – حوش المغربي لنقل الحاجين مع عزبة

«حملة» العم المرحوم عبدالعزيز سلمي الحر «عبد علي» ويطلق عليه اهل الحارة «حملدار» أي رئيس الحملة المسؤول الأول والأمر الناهي فيها وصاحب القول الفصل يعاونه بعض الرجال ولكل منهم مهمة يقوم بها ويؤديها كالطبخ وعمل القهوة والشاي وإحضار الماء وتامين المقاضي ونصب الخيام في المشاعروكل متطلبات العزبة خاصة وان بعضهم يؤدي العمرة فقط حتى يتفرغ تماما لمهامه.

ونشاهدها في حوش الشريف لنقل أفراد عزبة المرحوم العم حمزه عباس العيساوي والشيخ عباس حميدي ملائكة، وعزبة حسن ناشي والصعيدية لنقل أفراد عزبة العم المؤمن محسن ابو خلاف. وفي حوش الاجاوزة عزبة المعلم المرحوم حسن الأسود وفي قباء عزبة ناصر ابو عواد وعزبة محمد علي عبدالحي وعزبة الشيخ عبدالمنعم الهاجوج وفي السنوات الاخيرة ظهرت الكثيرمن العزب بعضها اختفى ولم يستمر واخرى بقيت فترة من الزمن وعزب أخرى مستمرة حتى الان نذكر منها < عزبة اوحملة عباس لولو « الدمح »، وعزبة عبدالحميد سعد وعلي ناصر مليح وابراهيم قرعوش، وعزبة عبدالحميد عباس عبدالله، وعبدالله الجرفي وحسين مصطفى عابدين.

وكان منظر السيارات الواقفة في ساحات الأحوشة مثيرا للأطفال الذين لا يرون هذا المشهد الا نادرا ولا يتكرر في السنة سوى مرة او مرتين لنقل الراغبين في الحج والمرة الثانية تكون للذاهبين الى العراق بقصد الزيارة والمشاركة في إحياء مناسبة أربعين الأمام الحسين (ع) وفي طريق العودة كانوا يزورون المسجد الأقصى قبل عام 1387هـ – 1967م، وكانت اغلب تلك العزب تسكن في الاحياء القريبة من الحرم المكي شعب علي والسليمانية والمعابدة.

والكثير ممن يلتحق بتلك العزب كانوا من أصحاب النيابات أي الذين يقومون بتأدية فريضة الحج نيابة عن الآخرين لقاء مبلغ مالي يدفعه غالبا احد المراجع وكان لكل واحد منهم شروطه للحصول على النيابة كاشتراط حفظ بعض السورمن القرآن الكريم وبعضهم يلزم الراغب في النيابة الى اختبار بسيط عن المعتقدات الدينية وبعض المسا ئل الفقهية وكثيرا ما تقع لهؤلاء بعض المواقف المحرجة والمضحكة والأسباب التي تدفعهم للحصول على النيابة الضا ئقة المالية الصعبة التي كان يعيشها البعض من اهل الحارة الي جانب الدافع الديني وهو اكتساب الأجر والثواب ليعود من الحج كما خلقته أمه.

وقلت في من تعلق قلبه بالمدينة رغم حبه للحج:

« سرور العيد قد عم النواحي »                    وشوقي لرؤيتكم يزيد.

وحزنـــــــي أني لست مــعهم                      أطوف بالبيت العتيــــق.

وعــــــذري أن قلبي قد تعلـــق                    بمــــن أحب ومن أريـــــد.

أحـــب طيبـــــة وطـــــه فيهــا                         ولا ارضي سواهــــا ولا أزيد.

وفي العادة يبدأ الناس في التحضير للحج منذ فترة طويلة قد تصل الى أعوام لتوفير المال الذي يعد من اهم العوامل التي يحتاجها الحاج وهو شرط الاستطاعة عندما يفكر احدهم في الحج يبدأ الجيران والأقارب التوافد الى بيت قاصد الحج وتبدأ البايوتات بهدف مشاركة أهله الفرحة والسعادة التي يعيشونها ومساندته وتقديم يد المساعدات العينية والمالية التي يحتاجها السرارة«الصرارة»، وهي صورة اجتماعية مشرقة وتجسيد عملي للتكافل الاجتماعي وصلة الرحم متحابون متزاورون كأنهم اخوة والصرورة، الصرور الرجل الذي يحج لاول مرة في حياته والصرورة لغة هو الرجل الاعزب، واصطلاحا:

الحاج الذي لم يسبق له الحج وقيل صرارة تركز جبل وهو للدلاله على ان الشيء مهما صغر حجمه فهو مفيد لذا يجب علينا ان لانستهين بالاشياء مهما صغرحجمها وقلة قيمتها.

وفي يوم السفر وبعد تجهيز السيارة بكل ما تحتاجه العزبة «الحملة» من أدوات ومعدات كا لخيام والمفارش والتيازير وبراميل الماء والمواد الغذائية من رز وحطب وفحم وحلاوة طحينية الخ، يبدأ الحجاج بإحضار أغراضهم من شنط ويطق«الفرش الخاص به» لتحميله في السيارة الا ان الانتظار تكون موجهه نحوالسرارة «الصرارة» الذي يتجه الى السيارة في موكب يحف به الأهل والأقارب والأصدقاء ويتم نثر «كشح» الحلاوة عليه والريحان والورود والفلوس فرح اواستبشار به في بهجة وسرور، وطوال الرحلة يكون موضع اهتمام وعنايةورعاية جميع من في العزبة، وعند عودته من مكة بعد تأدية فريضة الحج تقام له الاحتفالات وتذبح الذبائح ويبدأ الحاج في توزيع الهدايا على الأطفال مع كيس يحتوى على مكسرات «حمص وخروب وتين وحلاوة لوزية ولوز وجوز وحلويات».

قال الشاعر «ضياء الدين الصابوني»:

قد طـــــــاب حجك انه مبرور                    وسقيت سقيك انه مشكور.

فاهنا بحجك والقبول مع الرضا                    فلانت في عفو المليك جدير

تلك المعاني الساميات شهدتها                       قد زانها التهليل والتكبير.

والله ولي التوفيق.

أ.يوسف ناشي

المقالة سبق نشرها بتاريخ 31 اكتوبر 2011م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تنويه: رحمة الله على من مضى منهم في رحمة الله واطال الله في اعمار البقية..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *